مأزق الواقع .. ونافذة الأحلام
في قصص " وإذا انهمر الضوء .." لمنى الشيمى
د. ممدوح فراج النابي
ناقد أدبي وباحث أكاديمي
يسيطر الواقع بكل إشكالياته، وتعقيداته على شخوص هذه المجموعة ، فنرى الواقع الخشن يجثم على الشخصيات ، ويكاد يعصف بها ، ومن ثم تصاب الذات بالقهر والحيرة ، والاضطراب والقلق وقد يصل مداها إلى إصابتها بالارتباك الذي يقودها إلى العجز عن التواصل، سواء مع هذا الواقع، فتضطر إزاء هذا العجز إلى الهروب عبر نافذة الأحلام كمتنفس لها، بعدما ضاقت بفعل الواقع المهين، أو العجز عن التواصل مع الآخرين، فتقع الذات في فوضى الأسئلة المربكة والمحيِّرة، ومن ثم تصبح الذات إزاء هذا العجز، غير قادرة حتى على الإدراك، مجرد إدراك حدوث الفعل، كما سوف يتضح في قصة ( المفتاح ).
تتوغل الساردة داخل أعماق الذات الإنسانية، عاكسة ما تعانيه هذه الذات، من عذابات وآلام فرضها عليها واقع خشن يصل بالذات إلى الحرمان والشعور بالفقد كما في قصة ( عند حافة الدفء ) وتارة أخرى نظرة المجتمع المريبة للعاجزة ، كما في ( على وتر مشدود )، وتارة ثالثة واقع عصرنا المعقد كما في قصتي ( تمزق، المفتاح ) .
*****
المراوحة بين الواقع والحُلم هي التيمة الأساسية التي تنهض عليها قصص المجموعة التي تتكون من اثنتي عشرة قصة هي ( وإذا الضوء انهمر، على وتر مشدود ، تمزق ، عن الدبساء قالوا ، صليل الأساور ، ليس قبل اكتمال الحلم ، عند حافة الدفء ، من علمك الأسماء كلها ، المفتاح ، في منتصف النهار ، من خرم إبرة ، الاحتشاد للحظة صدق ).
وقد تبدو المراوحة سمة أساسية في قصص المجموعة ، حيث المراوحة – أيضًا – في استخدام الضمائر ، فالسرد يتراوح بين السرد بالأنا ( الذي يشغل الغالبية العظمى للقصص ، ثماني قصص)، والسرد بضمير الغائب ( أربع قصص هى " وإذا انهمر الضوء ، وعن الدبساء قالوا ، و صليل الأساور ، وأخيرًا ليس قبل اكتمال الحلم ..")
واتكاء السارد على الضمير الأنا في صيغة المفرد ، وليس الجمع إشارة بالغة ، لهشاشة العالم الإنساني ، الذي يرصده حيث يريد الاقترلب من الداخل لرصد أدق التفاصيل ، وأثر الواقع في كشف هذه الهشاشة التي أصابت الإنسان . وقد تتعدد مستويات القصة عند منى الشيمي ، فيبدو الحدث وكأنه عرضي ، عادي ، مألوف ، أو بمعنى أدق عفوي لا يستحق القص ، لكن الصحيح أن بساطة الحدث تشي انطباعًا لدى القارئ بأن هناك بُعْدًا تضمره الساردة ، وهذا البعد لا يتكشف بالقراءة الأولية / السريعة ، وإنما بإعادة القراءة وتجميع الجزئيات المتناثرة في النص ، ومن الجائز قبل النص مثل التصدير أسفل العنوان كما في قصص( عند حافة الدفء ، ومن علمك الأسماء كلها ؟ ، والمفتاح ).
وفي أحيان يصل المستوى الدلالي للقصص لمعنى عميق / فلسفي ، يتطلب من القارئ جهدًا أكبر في القراءة للخروج بالدلالة ، التي قد تتعدد من قارئ إلى آخر ، لكن في النهاية توحد الساردة الرؤية بينهم ، فيخرجون بمعنى واحد إلا أنه متعدد الدلالة – أيضًا- . وفوق هذا وذاك طرق مناطق شائكة في القصة القصيرة ، لم تطأها مجالات الكتابة من قبل ، وبمعالجات تطرح فيها رؤى فلسفية ، مثل ما رأينا في قصتي " صليل الأساور ، ومن علمك الأسماء كلها ؟" ، حيث في القصة الأولى تطرق أرضية جديدة تخترق فيها المقدس والمحظور ، منطقة القبر وما يحدث فيه ، وإن كان يُعاب عليها – هنا – عدم اتكائها على ثقافة خاصة بهذه المنطقة الشائكة ، تساعدها على الدخول فيها والاقتراب منها ، دون الخوف من حرّاس الثقافة المتزمتين ، ودعاوى السلفية ، ولكن ما يُحْسبُ لها السبق ، والجرأة في الطرح حتى ولو اختلفنا ، معها في عبثية التناول . وبالمثل في القصة الثانية حيث أفضية ميتافيزيقية ، بعيدة عن التناول .
أضف إلى ما سبق رهافة في اللغة ، وانسيابية في السرد ، وعذوبة في اختيار الكلمات المعبرة الدالة، والتي قد تكتسب معنى مغايرًا عن المعني المتداول لها ، فتشعر بأنها أول مرة تقرأ بها ، وهذا ما ساعد على مضاعفة الإحساس بوطأة الواقع وخشونته على الأشخاص .
**** ****
فواقع عصرنا المعقد والمتشابك واللاهث، هو الذي دفع أهل القرية في قصة ( عن الدبساء قالوا ) أن يتناسوا هذه المرأة، رغم حاجاتهم لخدماتها سواء في الأفراح أو الأحزان، لا توجد مناسبة إلا وتكون الدبساء مع أهل الدار، ومع هذا فلم يتذكروها إلا عندما فاحت رائحة الجثة، داخل كهفها البعيد عن القرية؛ معللين هذا النسيان بحجة الانشغال والجري وراء لقمة العيش .. فعندما غابت واختفت عن حضور مجالسهم الفرح أو الحزن، لم يلحظ أحد غيابها .
هكذا حاولت الساردة أن تكشف أحد أمراض العصر التي استشرت حتى في القرى، ألا وهو النفعية، فما دام لا حاجة لهم بها، لا يسألون عنها، لدرجة أنهم لم يلتفتوا، إلى جفاف الزير، وضياع غطاءه بسبب عبث الصبية، وامتلاء الزير بأوراق الكافور اليابس … مع أنها عندما يدعونها تلبي دعوتهم بأسرع مما يتخيلون، حتى أنه " لم يعرف أحد أبدا كيف تنشق الأرض، وتظهر " [ ص 21 ] ..
الشيء الوحيد الذي لفت انتباههم هو صدور الرائحة الكريهة من منزلها، في إشارة صريحة ودالة على هذا الواقع البغيض، الذي فرض العفن رائحته على الجميع .
نفس هذا الواقع هو الذي دفع بشخصية قصة ( على وتر مشدود ) ذي الساق العرجاء أن تهرب من مواجهة الآخرين بعجزها .. لتتفادى نظرات الإشفاق والحسرة والأسى وتتحايل لمداراة عجزها، بارتداء أجمل الثياب، والتزين، لتخفي عجز القدم. لكن محاولتها تفشل عندما تهم للذهاب إلى الإدارة لتسليم بعض الأوراق بناءًا على استدعاء الإدارة لها.. تخشى نظرات الآخرين، خاصة الزميلة الغائبة، التي لم تلتق بها عند تسلّمها العمل .. فيضطرب القلم في يدها بسبب الارتباك في مدارات العجز، إلا أنها تفشل وتقع … وتتحول نظرات الإشفاق والأسى إلى مساعدة، حيث هب الجميع لنجدتها .
تظهر هنا فلسفة الساردة لمواجهة الواقع ، فالأسلم هو التعايش مع العجز لا مداراته ، فمهما تحايل الإنسان لمدارة عجزه أيًا كان فلا يستطيع وهذا ما أكدته نهاية القصة .
وفي قصة " في منتصف النهار " تتجسد سطوة الواقع وألمه على السارد، الذي يتعرّض لسرقة، ذات ليلة، دون أن يشعر بالسارق، عبر فيض من الأسئلة، التي تتدافع من قبل السارد/الأنا ، دون تحديد لمن يتوجه بها .. هذا الانقسام الحاد الذي يشعر به السارد، يجعل ذاته تنشطر إلى جزأين ذات لا تقبل الاعتراف بالسرقة أساسًا كنوع من عدم الشعور بالانكسار أمام زوجته وابنته وجيرانه ،الذين احتشدوا دون أن يَعْلم من أتى بهم، وأيضًا أمام اللص الذي تحرك في الشقة وسرق ما سرق وعبث بمن عبث كما صورت للسارد خيالاته .
فيجيب على سؤال الضابط بكل ثقة: "لا لم نتعرض للسرقة "، إلا أن اعتراف السارق بالسرقة كما أخبر اللص الضابط، عندما قُبض عليه، وكذلك تأكيد ابنته بسرقة خاتمها … يجعل الذات الأخرى تظهر .. محاولة للبحث عن إجابة لأسئلة تتلاحق وتكاد تعصف بذهنه من قبل:
- كيف تسلل إلى جيب ليلى وسرق أمني ؟! ، أو : كيف لم أفق على وقع خطواته ؟ ،أو ماذا سرق؟ وكيف دخل هذا اللص؟ وكيف تجوّل في البيت ؟!
وفي ظل عجز الذات عن الوصول إلى إجابات لهذه الأسئلة .. تنسلخ هذه الذات عن واقع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ